الظلم لا يعيش في فراغ، بل يحتاج إلى “منظومة بيئية” كاملة تغذيه:
“المشرع” هو رأس الأفعى، هو شخص براغماتي، بارد، مدفوع بالجشع أو الرغبة المطلقة في السيطرة وحماية مكتسبات طبقته. هو يعلم يقيناً حقيقة ما يفعل، لكنه يملك الذكاء والقدرة على صياغة مصفوفة الظلم وجعلها “قواعد ملزمة للعبة”. هو من أعطى الظلم صفة قانونية ومنح المبرر لغيره لكي يعزز به موقفه.
“المبرر” هو الكاهن الذي يتولى عملية غسيل الدماغ في المجتمع ليمنع وخز الضمير، يتاجر بوعي الناس، ويطوع المقدس والعقل والمنطق لخدمة المدنس، ويمنع المجتمع من رؤية القبح على حقيقته.
“المساير” هو المجرم بالتبعية، مثل كل من استقال عقليا لحساب الفئات السابقة وتابعهم في خطواتهم وحجته أن كل الناس تفعل ذلك،
“الصامت” هو متواطيء بالسلبية، فهو ليس شرير وربما يرفض أن يساهم في الظلم بالفعل ولكنه مخطيء لأنه يتنحى جانبا، فالذي يقف صامتا بين الضحية والجلاد، قد اختار صف الجلاد عملياً وإن تبرأ منه قلبياً.
الاستثناء الوحيد هو “المعترض”، صوت الفطرة الحرة، هو الإنسان الحي الذي يضحي براحته النفسية وسلامته الشخصية لكي يحرم منظومة الظلم من الحصول على الإجماع الكامل ليحافظ على البقية الباقية من كرامة الإنسانية.
أخطر ما في الظلم ليس جبروت “المشرع”، بل تواطؤ “المبرر”، واستقالة وعي “المساير”، وسلبية “الصامت”. وكلما هبطنا في هذه الدرجات، تضاءلت المسؤولية القانونية المباشرة، لكن المسؤولية الأخلاقية تظل تطارد الجميع.
